X
-
(.. ولله عتقاء من النار.. وذلك كل ليلة)
إن للنصيحة في ديننا مكانة سامية ومنزلة عالية، كيف لا وقد جعل رسول الله
مفهوم النصيحة مساوياً للدين كله فقال: "الدين النصيحة".
إن النصيحة تنطلق أساساً من حُب الناصح لمن حوله وشفقته عليهم ورغبته في إيصال الخير إليهم ودفع الشر والمكروه عنهم، ولهذا قال ابن الأثير: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي: إرادة الخير للمنصوح له.
وقد أخذ رسول الله
البيعة على أصحابه ببذل النصح للمسلمين، قال جرير بن عبد الله
: "بايعت رسول الله
على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم".
ومن كان باذلاً للنصيحة راغباً في إيصال الخير إلى الناس فهو من خلفاء الله في الأرض كما قال الحسن رحمه الله: ما زال لله تعالى نصحاء، ينصحون لله في عباده، وينصحون لعباد الله في حق الله، ويعملون لله تعالى في الأرض بالنصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض.
النصيحة لمن؟
تكون النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، قال الإمام ابن حجر رحمه الله: النصيحة لله وصفه بما هو له أهل، والخضوع له ظاهرا وباطناً، والرغبة في محابه بفعل طاعته، والرهبة من مساخطه بترك معصيته، والجهاد في رد العاصين إليه. والنصيحة لكتاب الله تعلّمه، وتعليمه، وإقامة حروفه في التلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذب تحريف المبطلين عنه، والنصيحة لرسوله تعظيمه، ونصره حياً وميتاً، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله، ومحبته ومحبة أتباعه، والنصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على ما حمُلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن. ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببث علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم، والنصيحة لعامة المسلمين الشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكف وجوه الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
وقال عبد الرحمن بن ناصر السعدي: النصيحة لله ورسوله تكون بصدق الإيمان، وإخلاص النية في الجهاد والعزم عليه عند القدرة، وفعل المستطاع من الحث والترغيب والتشجيع للمسلمين عليه.
وأول النصح أن ينصح الإنسان نفسه، فمن غش نفسه فقلما ينصح غيره.
الرسل أحرص الناس على نصح أقوامهم:
لقد اجتهد الرسل أشد الاجتهاد في دعوة قومهم وحرصوا أشد الحرص على هدايتهم، ولم يدخروا جهداً في نصيحتهم، فهذا نبي الله نوح عليه السلام يقول لقومه: {ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم}.
وقد سار على طريقة نوح في بذل النصيحة من جاء بعده من الرسل، فهذا هود يقول لقومه: {وأنا لكم ناصح أمين}.وقالها صالح: {ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين}، وقال شعيب: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم}.
وقد شهد الصحابة للنبي
أنه بلغ رسالة ربه ونصح لقومه، فعن جابر بن عبد الله
ما أن رسول الله
قال - يعني لأصحابه - : "وأنتم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
النصيحة حق المسلم على أخيه:
عدّ رسول الله
بذل النصيحة للمسلمين من أعظم الحقوق حيث قال: "حق المسلم على المسلم ست" وذكر منها: "وإذ استنصحك فانصح له". وقال
: "وإذا استشار أحدكم أخاه فلينصحه". وقد ضاعف الله أجر الناصح الأمين الذي يرجو بنصيحته خير المسلمين، فعن عبد الله بن عمر
ما قال: قال رسول الله
: "إذا نصح العبد لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين". وهو مِن أول مَن يدخلون الجنة، قال رسول الله
: "عُرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد، وعفيف متعفف، وعبد أحسن عبادة الله ونصح لمواليه".
من آداب النصيحة:
إذا كان للنصيحة في الدين هذا المكان السامي فإن النصيحة التي تنفع هي التي يلتزم الناصح فيها الآداب الشرعية التي ذكرها العلماء، ومن هذه الآداب:
1- أن يكون مخلصا لله تعالى في النصح بحيث لا يكون قصده الرياء ولا السمعة ولا لتحقيق غرض دنيوي ولا لإظهار تميز الناصح.
2- أن يكون عالما بما ينصح، لأن النصيحة نوع من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم يكن على علم بما ينصح به فقد ينهى عن معروف وهو يظن أنه ينهى عن منكر، وقد يأمر بمنكر وهو يظن أنه يأمر بمعروف.
3- الإسرار بالنصيحة وعدم التشهير والحرص على الستر، فالنصيحة أمام الناس توبيخ وتقريع لا يقبله الناس، قال مسعر بن كدام رحمه الله: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي في سر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملأ تقريع. وقال الشافعي رحمه الله:
تعهدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعه
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرض استماعه
فإن خالفتني وعصيت قولي فلا تغضب إذا لم تُعط طاعه
4- الرفق في النصح والبعد عن العنف واللوم كما في الحديث: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه".
أما المنصوح فالواجب عليه الإصغاء إلى النصيحة والعمل بخيرها، والتخلص من حظوظ النفس، فقد كان السلف يعتبرون النصيحة نوعا من الهدية يقدمها الناصح لهم، كما قال عمر
: رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي. ولا يحملنه شدة الناصح على عدم الانتفاع بالنصيحة.
جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.[SIZE=5][COLOR=DarkGreen]قال أبو يزيد: ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك.[/COLOR][/SIZE]
Comment
-
(.. ولله عتقاء من النار.. وذلك كل ليلة)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد امتدح الله
عباده المؤمنين وأثنى عليهم بالكثير من الصفات التي يحبها فيهم.
ومن جملة الأخلاق والصفات التي أثنى الله بها على عباده المؤمنين أنهم قانتون، فقال الله
:{ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ*الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ*الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالقَانِتِينَ وَالمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:15-17].
وإن للنساء من ذلك حظا حيث قال الله
: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} [النساء:34].
كما وعد سبحانه على هذه الصفة أجرا كبيرا: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب:31].
وقال سبحانه: {إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:35].
كما أثنى الله على خليله ورسوله إبراهيم
بأنه كان من هؤلاء القانتين لله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ} [النحل:120].
وأثنى على مريم بأنها كذلك من القانتات فقال: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ} [التَّحريم:12].
من معاني القنوت:
ذكر العلماء عدة معان للقنوت يدور أغلبها حول دوام الطاعة، والصلاة، وطول القيام، والسكوت، والخضوع، والدعاء.
وهذه كلها داخلة في معنى القنوت ولا شك، والأدلة تشمل ذلك كله.
فكون القنوت هو الخضوع والطاعة لله فذلك ما دل عليه قول الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ*بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وقوله سبحانه: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}.
وأما كونه بمعنى السكوت فقد دل عليه ما ورد عن زيد بن أرقم
قال: " كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا صاحبه في حاجته، حتى نزلت {وقوموا لله قانتين}، فأمرنا بالسكوت.
ويأتي القنوت بمعنى طول القيام، وهو ما دل عليه قول الله
: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ}. وما رواه مسلم عن جابر
قال: قال رسول الله
: "أفضل الصلاة طول القنوت".
وعن المغيرة بن شعبة
قال: إن كان النبي
ليصلي حتى ترم قدماه ـ أو ساقاه ـ فيقال له، فيقول: "أفلا أكون عبدا شكورا". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وابن ماجة، وحسنه الألباني].
وسئل ابن عمر
عن ما القنوت فقال: ما أعرف القنوت إلا طول القيام، ثم قرأ: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا}.
وأما ورود القنوت بمعنى الدعاء فدل عليه ما جاء عن البراء بن عازب
: "أن رسول الله
كان يقنت في الصبح والمغرب". [مسلم].
وعن أنس
قال: "قنت رسول الله شهرا يدعو على رِعْلِ وذَكْوَان". [البخاري ومسلم ،واللفظ للبخاري].
وهكذا نجد أن رسول الله
قد حقق جميع معاني القنوت فكان يصلي ويطيل الصلاة وقد قال عبد الله بن مسعود
: "صليت مع النبي
ليلة فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء. قيل له: وما هممتَ؟ قال: هممت أن أقعد وأذر رسول الله" [البخاري ومسلم].
وعن حذيفة
: "أن النبي
صلى، فكان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استجار، وإذا مر بآية فيها تنزيه لله سبّح". [البخاري ومسلم].
ولما خسفت الشمس في عهده قام يصلي فأطال القيام جدا، ثم ركع فأطال الركوع جدا، وهكذا في سجوده.
وكان يدعو ربه ويطيل الدعاء ويختار من الدعاء أحسنه وجوامعه وإذا قرأ القرآن أو قرئ عليه بكى، ولقد قال عبد الله بن الشخير
: "رأيت رسول الله
وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء". [أبو داود والنسائي].
فهيا أيها القارئ الحبيب:
قد عرفنا الآن شيئا من معاني القنوت، وعرفنا من هدي النبي
وسنته ما يدل على تحققه فيه، فهلا اقتدينا به وتأسينا، ولجأنا إلى ربنا ودعوناه وخشعت له قلوبنا؟ عسى أن يجعلنا الله من القانتين.
[SIZE=5][COLOR=DarkGreen]قال أبو يزيد: ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك.[/COLOR][/SIZE]
Comment

Comment