العاهرة المستديرة
بقلم: عمـر طاهر

.....
قبل الماتش أخرجت العلم الكبير من شباك السيارة، كلما مررت بجوار سيارة أخري عزف قائدها علي الكلاكس تحية العلم الجديدة (تيت تيرتت تيت ..مصر )، كلما مررت بشخص يسير علي قدميه ابتسم ورفع في وجهي علامة النصر، في إشارة دار السلام اختطف واحد العلم من يدي ثم غطي به مقدمة سيارتي وانحني يقبل العلم قبل أن يعيده لي وهو عاجز عن الكلام يكاد يرتعش من فرط الحماس، سيناريوهات مشابهة أراها تتكرر علي طول الطريق مع سيارات كثيرة يطل منها نجم الأسبوع الماضي (العلم).
بعد الماتش خرجت بالعلم نفسه في السيارة نفسها في الشوارع نفسها ومررت تقريبًا بالناس نفسها، لكنني شعرت بأني لم أكن أقود سيارتي بل آلة الزمن التي هبطت بي في شوارع القاهرة ليلة نكسة يونيو، تدرجت تعليقات من مررت بهم حاملاً العلم بعد المباراة بمرور الوقت بدأت ب (شيلُه ..شيله ) ثم ( يا عم قطّعُه ) ثم دخلت في مرحلة (البسُه) وأشاحت عشرات الأيدي في وجهي غاضبة، والتقيت بأكثر من شخص عملوا نفسهم مش عارفين العلم ،إلي أن اقتربت من المنزل ومررت في إضاءة الشارع الخافتة برجل ما إن رأي العلم حتي اتخذ وضع البصق بأن سحب من صدره بصوت عالٍ كمية من البلغم وقبل أن يقذفها في وجهي اكتشف أنني جاره فكتم البصقة، وفي الوقت نفسه كان مضطرًا لأن يلقي عليَّ السلام فخرجت تحيته وكأنها صادرة عن مسخ يتحدث والبلغم يسيل علي جانبي فمه.
قبل الماتش الجميع يتحدث عن جمال السودان والروابط العميقة وأننا بلد واحد، الجميع يقول إننا كنا موفقين في اختيارها للمباراة الفاصلة وأننا سنلعب في استاد القاهرة فرع الخرطوم، كنت ألفت نظر أصدقائي لأشياء كثيرة كذبوها، قلت لهم اللقطات الواردة من شوارع الخرطوم لا يظهر بها شيء سوي علم الجزائر، وأنهم منذ فترة حاصروا السفارة المصرية، وأنهم غير ملزمين عاطفيًا بالوقوف إلي جوارنا وأنهم لن يستطيعوا أن يؤمنوا تغطية أمنية للمباراة وأنني أتوقع كارثة.
بعد الماتش كنت أتلقي مكالمات تدور في فلك جملة واحدة (عندك حق )، قضيت الليل كله وشعوري بالشفقة مزدوج، جزء منه علي المكالمات التليفونية المليئة بالصراخ والاستغاثة التي كان الأستاذ إبراهيم حجازي يتلقاها علي الهواء في برنامجه من المصريين المطاردين في ظلام ليل السودان، وجزء علي الأستاذ ابراهيم نفسه الذي تجاوز الستين بقلب دخل غرفة العمليات أكثر من مرة، أشفقت عليه بعد أن أصبح ملزمًا بأن يمتد برنامجه من العاشرة مساءً حتي السابعة صباحًا بدون توقف ليطمئن علي الناس هناك وليطمئن أهاليهم هنا، أما السودانيون فقد اختفوا بعد أن احتلت العصابات الجزائرية الخرطوم، كان النوم عصيًّا رغم الإرهاق الشديد، كلما هممت بإغلاق التليفزيون كانت تمنعني مكالمة استغاثة جديدة.
قبل الماتش كنت أقول إنهم قلة من الجزائريين يحاصرون أهلنا في الجزائر، وأنهم لا يعبرون عن بلد المليون شهيد، وأنهم أفضل منا كرويا، وأنهم يخبئون حسرتهم علي اقتراب خروجهم من التصفيات بالعنف مثل أي جمهور متعصب في العالم، وأنهم ضحايا الصحف الصفراء والجهل .
بعد الماتش كلما سمعت كلمة (الجزائر) تذكرت بلغم الجار.
بقلم: عمـر طاهر

.....
قبل الماتش أخرجت العلم الكبير من شباك السيارة، كلما مررت بجوار سيارة أخري عزف قائدها علي الكلاكس تحية العلم الجديدة (تيت تيرتت تيت ..مصر )، كلما مررت بشخص يسير علي قدميه ابتسم ورفع في وجهي علامة النصر، في إشارة دار السلام اختطف واحد العلم من يدي ثم غطي به مقدمة سيارتي وانحني يقبل العلم قبل أن يعيده لي وهو عاجز عن الكلام يكاد يرتعش من فرط الحماس، سيناريوهات مشابهة أراها تتكرر علي طول الطريق مع سيارات كثيرة يطل منها نجم الأسبوع الماضي (العلم).
بعد الماتش خرجت بالعلم نفسه في السيارة نفسها في الشوارع نفسها ومررت تقريبًا بالناس نفسها، لكنني شعرت بأني لم أكن أقود سيارتي بل آلة الزمن التي هبطت بي في شوارع القاهرة ليلة نكسة يونيو، تدرجت تعليقات من مررت بهم حاملاً العلم بعد المباراة بمرور الوقت بدأت ب (شيلُه ..شيله ) ثم ( يا عم قطّعُه ) ثم دخلت في مرحلة (البسُه) وأشاحت عشرات الأيدي في وجهي غاضبة، والتقيت بأكثر من شخص عملوا نفسهم مش عارفين العلم ،إلي أن اقتربت من المنزل ومررت في إضاءة الشارع الخافتة برجل ما إن رأي العلم حتي اتخذ وضع البصق بأن سحب من صدره بصوت عالٍ كمية من البلغم وقبل أن يقذفها في وجهي اكتشف أنني جاره فكتم البصقة، وفي الوقت نفسه كان مضطرًا لأن يلقي عليَّ السلام فخرجت تحيته وكأنها صادرة عن مسخ يتحدث والبلغم يسيل علي جانبي فمه.
قبل الماتش الجميع يتحدث عن جمال السودان والروابط العميقة وأننا بلد واحد، الجميع يقول إننا كنا موفقين في اختيارها للمباراة الفاصلة وأننا سنلعب في استاد القاهرة فرع الخرطوم، كنت ألفت نظر أصدقائي لأشياء كثيرة كذبوها، قلت لهم اللقطات الواردة من شوارع الخرطوم لا يظهر بها شيء سوي علم الجزائر، وأنهم منذ فترة حاصروا السفارة المصرية، وأنهم غير ملزمين عاطفيًا بالوقوف إلي جوارنا وأنهم لن يستطيعوا أن يؤمنوا تغطية أمنية للمباراة وأنني أتوقع كارثة.
بعد الماتش كنت أتلقي مكالمات تدور في فلك جملة واحدة (عندك حق )، قضيت الليل كله وشعوري بالشفقة مزدوج، جزء منه علي المكالمات التليفونية المليئة بالصراخ والاستغاثة التي كان الأستاذ إبراهيم حجازي يتلقاها علي الهواء في برنامجه من المصريين المطاردين في ظلام ليل السودان، وجزء علي الأستاذ ابراهيم نفسه الذي تجاوز الستين بقلب دخل غرفة العمليات أكثر من مرة، أشفقت عليه بعد أن أصبح ملزمًا بأن يمتد برنامجه من العاشرة مساءً حتي السابعة صباحًا بدون توقف ليطمئن علي الناس هناك وليطمئن أهاليهم هنا، أما السودانيون فقد اختفوا بعد أن احتلت العصابات الجزائرية الخرطوم، كان النوم عصيًّا رغم الإرهاق الشديد، كلما هممت بإغلاق التليفزيون كانت تمنعني مكالمة استغاثة جديدة.
قبل الماتش كنت أقول إنهم قلة من الجزائريين يحاصرون أهلنا في الجزائر، وأنهم لا يعبرون عن بلد المليون شهيد، وأنهم أفضل منا كرويا، وأنهم يخبئون حسرتهم علي اقتراب خروجهم من التصفيات بالعنف مثل أي جمهور متعصب في العالم، وأنهم ضحايا الصحف الصفراء والجهل .
بعد الماتش كلما سمعت كلمة (الجزائر) تذكرت بلغم الجار.

Comment