إعـــــــلان

Collapse

.

,
See more
See less

المانجه والطبقة الوسطى

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • المانجه والطبقة الوسطى

    المانجه والطبقة الوسطى ـ الراحل الكبير: محمد عفيفي

    الراحل الكبير: محمد عفيفي : بتاريخ 6 - 9 - 2008 لا أذكر على وجه التحقيق متى بدأت علاقتي بالمانجة ، ولكنها بدأت غالبا في وقت ما منذ ثلاثين سنة . بدليل أنني أذكر كيف رحت أقلب المنجاية التي قدموها لي بين يدي الصغيرتين قائلا لهم : وايه دي ؟ ، فقالوا : مانجه ، قلت : مانجه ؟ ، قالوا : أيوه مانجه ، أنت أطرش ! .فرحت أحاول حشر تلك الكلمة الجديدة بين معلوماتي اللغوية ، في نفس الوقت الذي ألهطها فيه بين أسناني ، شاعرا بما يجب أن يشعر به أي إنسان وهو يأكل أول منجايه في حياته . يعني باللذة الشديدة التي لم ينقص منها شعوري بالمضايقة بسبب الألياف الكثيرة التي انحشرت في أسناني ، الأمر الذي يدلك على أنها كانت منجاية من نوع رخيص مع أن السوق مليئة بالأصناف الجيدة ، ومع أن الذين قدموا لي المنجاية المذكورة كانوا في حالة مالية تسمح لهم بشراء تلك الأصناف . وهذا معنى الإشارة في عنوان هذا المقال إلى العلاقة بين ثمرة المانجة والطبقة الوسطى ، وهي علاقة – لو تدبرتها – معقدة جدا.
    إن علاقة الطبقة العليا بالمانجة ذات علاقة بسيطة واضحة ، إذ يشتريها الرجل العالي بالسبت لا بالواحدة ولا بالدستة ، ويضعها في الفريجيدر بين الديك الرومي وصحن الكافيار ( إذا كان الكافيار يوضع في صحن فربما يوضع في أكواب ! ) ، وكلما شعر أن ريقه ناشف صاح قائلا : يا ولد ! هات ست مانجيات ، يا ولد ! هات سبع مانجيات ، وهكذا حتى يشبع هو والست والأولاد ، فيغسلوا أيديهم بنفس البساطة التي نغسل بها أنا وأنت بعد أكل جوافاية أو تين شوكي .
    وكذلك الحال بالنسبة لطبيعة العلاقة بين المنجاية والطبقات الفقيرة ، إذ يعلم الرجل الفقير بوضوح أن حياته لا مكان فيها للمانجة ، وأنه يجب ألا يشتهيها أو يفكر فيها أو يحزن لغيابها ، تماما كموقفي أنا من السيارة الرولزرويس التي لا أركبها ، ومع ذلك لا أشعر بأي حزن لهذا الوضع ، لعلمي بأن الرولز ماركة لا مكان لها في حياتي وفقا لوضعي الطبقي .
    ...............
    إنما يبدأ التعقيد في علاقة الرجل بالمانجة إذا كان من الطبقة الوسطى ، بسبب أن في جيبه من الفلوس ما يمكنه من شراء منجه ، حتى الهندي منها ، ولكنه في الوقت نفسه يعرف أن فلوسه يا دوبك على أد اللحم والخضار ، وأن كل منجاية توضع أمامه على المائدة سيقابلها نقص في عدد قطع اللحم الموجودة على نفس المائدة . لذلك يشعر بتضارب عنيف في عواطفه تجاه المنجة ، ويجد نفسه في موقف أشبه بالرجل التقي تجاه الغانية التي تغريه بنفسها لكنه لا يريد أن يخسر دينه .ولذلك لا يلبث أن يغض البصر ويبتعد عنها وهو يستغفر ويحوقل ويبسمل ويستعيذ ، وتنقبض يداه على المسبحة التي في جيبه .
    هذا هو موقفي أنا الآخر من المانجه ، فمن أنا حتى أشذ عن أبناء طبقتي !! ، أكون ماشيا في الطريق وأراها فأشعر بخفقة سريعة في قلبي ، تلك الخفقة التي لا يمكن أن تحدث بالطبع إذا رأيت العنب أو التين أو حتى الخوخ !! . بل أنها تحدث أحيانا قبل أن أرى المانجه إذ تكون رائحتها قد وصلت إلى أنفي من وراء المنعطف المقبل ! . فيرسل مخي عن طريق أعصابي تلك الخفقة لينذرني بأنني مقبل بعد لحظات على قفص من المانجو .
    فإذا وقع بصري عليها أسرعت بإدارة وجهي ، ومددت في سيري ، وكأنني الرجل النقي وقد رأى عورة ، ولكني لا أستطيع أن أتخلص منها بهذه السهولة ، ويحدث ذلك عندما أذهب إلى الفكهاني لشراء كيلو عنب ، وبينما يزنه الرجل ويلفه أقف زائغ البصر بين أقفاص المنجه ، هذه بسنارة مكتوب عليها سبعة صاغ ، وهذه زبدية مكتوب عليها أثنا عشر ، دعك من المنجاية إياها التي تشبه البطيخة ، ومكتوب عليها عشرون .
    دقائق عصيبة أعيشها بين تلك الأصناف معانيا تلك المعركة النفسية التي تميز الطبقة الوسطى ، بسبب أن معي من النقود ما يمكنني من شراء المنجة ، ولكني أقول : طب واللحمة ؟ ، طب والخضار ؟ ، طب والبنزين ؟ ، طب كذا وكذا من الأشياء التي تعرفها إذا كنت من الطبقة المتوسطة ؟.
    ويزداد الموقف حرجا إذا تصادف أن كان معي أولادي ، إذ يقول لي الواد منهم :
    - دي المنجه طلعت يا بابا !
    فأقول لها أنني أعرف أنها طلعت ، وأنه يعرف أنني أعرف أنها طلعت ، ولكني لن أشتريها لأنها لم ترخص بعد ، فإذا كان اليوم التالي سألني بقوله :
    - المنجه لسه ما رخصتش ؟
    - لسه
    وهكذا كل يوم حتى يزهق الولد ، ويقول لي :
    - أنت مستني لما تبقى بكام ! ، بنكلة الواحدة !
    فأزغر له زغرة مناسبة لطفل قليل الأدب من الطبقة الوسطى ، ولا يمنعني من ضربه إلا تقديري لسنه التي تحول دون إدراكه لحقيقة وضعه الطبقي ، والتي توهمه - شأن كل الأطفال – أن أباه على كل شيء قدير ، حتى على المانجه !! .
    ......................
    وهكذا تمر الأسابيع حتى تصيبني نوبة من تلك النوبات الثورية التي تصيب الرجل حتى إذا كان من الطبقة المتوسطة ، وأقرر أن أشتري المنجه ، وملعون أبو اللحم والخضار والبنزين نفسه ! .
    إلى الفكهاني أتقدم مرفوع الرأس منفوش الصدر ، وأقول له :
    - إديني منجه .
    وأشعر في صوتي بتهدج لا مناسبة له ، ذلك التهدج الذي يتضاعف عندما يسألني كم واحدة أريد ، فأقول له وأنا أستجمع كل ما أملك من قدرة على الاستهتار :
    - دسته ! ، ولا خليهم دستين ! آه .
    فيجذب الرجل كيسا ويهم بتحويل المنجه لولا أنني أوقفه قائلا :
    - طول بالك ! أنت حتديها لي بكام ؟
    - الواحدة بشلن عشان خاطرك .
    - شلن !! ، ههه ، آل شلن آل ! ، أنت فاكراني ما باشتريش منجه ؟
    - العفو يا بيه ، هو أنا معنديش نظر ؟
    يعني أنه ظاهر من منظري أنني ولدت وفي فمي منجاية هندي ! ، وهذا كلام لا يخيل علي بالطبع ، ولذلك أقول له :
    - الواحدة بخمسة تعريفة
    - ما يخلصش
    - طب بتلاتة صاغ
    - يعني أخسر فيها ؟
    - بلاش
    وأمشي فيناديني أن عوضه على الله ، ويعبئ الدستتين في كيس أحمله تحت أبطي وأنصرف به مسرعا ، وكأنني أخشى أن يغير رأيه ويرجع في البيعة !! ، خفقان في قلبي لا بد أنك تتصوره إذا قارنته بالخفقان الذي يثيره منظر المنجة المجردة ، وتلفت إلى الناس حولي لا يخلو من شعور بالإثم !! ، كأنني لم أشتر تلك المانجة وإنما سرقتها ، أو كان الكيس الذي أحمله لا يحوي دستتين من المنجه وإنما طربتين من الحشيش .
    ويمكنك أن تتخيل المظاهرة الضخمة التي تشب في المنزل في ذلك اليوم ، إذ يراني الواد من النافذة فاسمعه يصرخ بأعلى صوته قائلا :
    - ماما ..بابا جاب منجه !
    هل شم رائحتها من هذا الارتفاع الكبير ! ، أم هي الحاسة السادسة ! ، لا أدري ، ولكني أدري أن الولد المفجوع سيخطف الكيس مني بمجرد دخولي ! ، ولذلك أتبت عليه بقوة !! ، ولا أسمح لأحد أن يمس محتوياته إلا بعد تقسيمها بالعدل والقسطاس ! ، وبينما أقوم بتلك العملية تنهال على سمعي من أفراد الأسرة عشرات الأسئلة الهستيرية والتعليقات السيكوشيزوفرنية مثل :
    - يا حلاوة يا ولاد ! المنجه رخصت ! ، اشتريتها بكام ! ، لا دي صغيرة ، نصيبي أكبر من نصيبي ! ، أنا عاوز الخضره ، الصفره أحسن يا عبيط ، دي ناشفة ، دي طرية ، يا حلاوة حناكل منجه ، بتقول اشتريتها بكم .
    ويبدأ البحث عن السكاكين ، توطئة للنحت والنهش واللهط !! ، كل عيل من العيال قد انتحى بنصيبه ركنا بعيدا آمنا ، وأحدهم تحصن فوق صحارة عالية زيادة في الاحتياط ! ، وكل ذلك قبل الإجراءات التي لا مفر منها مثل ضرب الواد الذي لا يريد أن يأكل نصيبه كله مرة واحدة ، ورفص الآخر الذي يرمي البذرة على الأرض ، ولطش الثالث الذي يأكل القشر ، وصفع الرابع – إذا وجد !!!- الذي يصر على كسر البذرة بيد الهون لكي يرى ماذا في داخلها ! .
    ..............
    طبيعي أن مثل هذه المظاهرة لا يمكن أن تحدث في غير بيوت الطبقة الوسطى بسبب ما سبق شرحه من تعقيد العلاقة السيكولوجية بينها وبين ثمرة المانجو ! ، ويزداد الأمر تعقيدا بالنسبة لي أنا شخصيا ، إذ أن عقلي الباطن يمنعني من الاستمتاع بالمانجه حتى في ذلك اليوم الخيالي . إذ ما تكاد المانجة تستقر في بطني حتى تبدأ معدتي في الكركبة ، ومصاريني في الزغورة ، وهي – بغير شك – حالة من الاحتجاج النفسي العام على أكل المنجه . مقرونة بشعور من الذنب كالذي لا بد ساور أبانا آدم بعد أكل الثمرة المحرمة . بالرغم أنها كانت تفاحة لا منجاية ! .
    نعم ، لا شك أنها مسألة معقدة ، مسألة العلاقة بين المنجه والطبقة الوسطى ، ولكني واثق من حلول يوم تنحل فيه العقدة ، عندما تتغير نفسية الطبقة الوسطى ، أو يتغير سعر المانجة ، أو الاثنان معا ! ، وفي ذلك اليوم لن يضطر الرجل إلى أن ينظر إلى المنجة نظرة القديس إلى المرأة الخاطئة
    و دمتـــــــــم سالمـــــــــــين ...


    يقــا د للسجــن من ســب الزعيـــــم و من سـب الإلـــــه فإن النــــاس أحـــــرارا !!!......
    [b][/b]

  • #2
    تحفة حقيقية

    هذة المقالة الرائعة كانت منشورة فى كتاب الراحل العظيم محمد عفيفى-المتوفى عام 1981- (ابتسم من فضلك) والذى قرأته عام 1990 فى احدى الطبعات المتأخرة من دار اخبار اليوم وتعرفت من خلاله على هذا العبقرى والذى يعتبر استاذا لكثير من ساخرى اليوم ، وربما كان اشهر تلاميذ مدرسته الساخر العبقرى احمد رجب والكاتب المتميز احمد خالد توفيق

    ربما وكما تنبأ الكاتب الكبير تغير الوضع فعلا بين الطبقى الوسطى والمانجة فقد اصبح كيلو المناجة بسعر كيلو العنب بسعر كيلو البامية، لكن المقال لم يفقد رونقه لأن ما كان ينطبق على المانجة زمان يمكن ان ينطبق على المكسرات او السيارات او التصييف فى الساحل الشمالى حاليا

    رحم الله الكاتب الكبير وشكرا لك على امتاعنا بمقاله الجميل
    [SIZE=5][COLOR=navy]سبعاوى[/COLOR][/SIZE]
    _______________________________________________

    Comment


    • #3
      انا عاوز شرح لانواع المنجة عشان انا بتلخبط بنهم و مش عارف ازى افرقهم , يا ريت لو حد عندة الخبرة دى يفدنا .:)

      Comment


      • #4
        بجد مقال اكثر من رائع ... انا استمتعت به جداااااا:)

        Comment


        • #5
          malish da3wa b2a ana 3awz manga
          [SIGPIC][/SIGPIC]Opel : 1 Team , 1 Family , 1 Goal
          حرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااام
          [URL="http://www.postimage.org/image.php?v=PqJgCQ0"][img]http://www.postimage.org/PqJgCQ0.jpg[/img][/URL]

          Comment


          • #6
            مقال رائع جدا ً ... لكاتب رائع ...

            أسلوبه الساخر ممتاز ...

            بس مظنش إن أحمد خالد توفيق من تلامذته لأني بتخنق جدا ً من أسلوب أحمد خالد توفيق ... بحس إنه بيستظرف ..

            لكن الراجل ده وانت بتقرأ المقال الابتسامة دايما ً على وشك

            هدورله بقى على كتب وأمري لله

            وشاكرين جدا ً يا أبو عبد الله على المقال الشيق ده
            [CENTER]الي مدخلش QNET .. مدخلش دنيا
            http://www.nilemotors.net/Nile/244377-a.html
            [/CENTER]

            Comment


            • #7
              جااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااااامد جداااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا اااااااااااااااااااا

              Comment


              • #8
                المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Abdo_Eldesokey مشاهدة المشاركة
                مقال رائع جدا ً ... لكاتب رائع ...

                أسلوبه الساخر ممتاز ...

                بس مظنش إن أحمد خالد توفيق من تلامذته لأني بتخنق جدا ً من أسلوب أحمد خالد توفيق ... بحس إنه بيستظرف ..

                لكن الراجل ده وانت بتقرأ المقال الابتسامة دايما ً على وشك

                هدورله بقى على كتب وأمري لله

                وشاكرين جدا ً يا أبو عبد الله على المقال الشيق ده
                هو حكاية ان احمد خالد توفيق من تلامذته ده مش كلامى انا، ده كلام احمد خالد توفيق نفسه، هو اللى بيذكر محمد عفيفى فى كل مناسبة ويعلن انه اتعلم منه كتير
                [SIZE=5][COLOR=navy]سبعاوى[/COLOR][/SIZE]
                _______________________________________________

                Comment

                Working...
                X