لأنني أعرف صديقي جيدًا وأثق به ثقة عمياء لم أكن لأصدق القصتين اللتين رواهما لي ليحكي لي عن فرط عناية الله به كواحد من عباده، حكي لي وهو يري أن فرط العناية يعني ألا يتركه الله يقع في مصيدة الذنوب ويعجل بعقابه إذا وقع فيها كما أنها تتجلي في سرعة الإثابة علي خير تقدمه محبة لله لا بحثًا عن مجرد ثواب.الحكاية الأولي تخص الذنوب، فقد فكر صديقي في أن يروّح عن نفسه أثناء سفر زوجته فقرر أن يستضيف صديقة له قديمة يشتاق إلي مجالستها، هاتفها وقررا أن يلتقيا في مكتبه، توجه إلي مكتبه وأعد لجلسة هادئة لطيفة وإمعانا في الرومانسية استعان ببعض الشموع العطرية وقام بإيقادها في كل مكان واختار خلفية موسيقية ناعمة، يقول صديقي إنه لم يفكر أبدًا في أن يخون زوجته خلال سنوات خمس هي عمر زواجهما لكنه أقدم علي الخطوة بسبب حالة من الاكتئاب والملل وبسبب تشجيع صديق آخر له علي أن يسرق لحظات من السعادة في غياب زوجته، لحظات لن تضر أحدًا وضرب له مثلا بنفسه، وتحت وطأة شعور عام بالملل قرر الصديق أن يخوض التجربة، المهم بعد أن هيأ الجو العام في مكتبه وفي انتظار وصول صديقته بحث عن الموبايل ليعرف سبب تأخرها فاكتشف أنه قد نسي موبايله في السيارة فنزل لإحضاره اتصل بها فأخبرته أنها في الطريق وعندما عاد إلي مكتبه فوجئ بدخان كثيف يخرج من تحت عقب الباب، فتح الباب فوجد عددا من الشموع قد وقع علي الأرض وأشعلت النار في سجادة كانت قد أهدته زوجته إياها، وفي ثوان وجد سكان العمارة كلهم عنده في المكتب يشاركون في إطفاء حريق سريع قبل أن تشتد وطأته.
وسط الجمع المحتشد فوجئ بصديقته تدخل من الباب وعلي وجهها علامات الذهول نظرت له فنظر إلي الأرض فانصرفت دون كلمة واحدة...اتصل بها ليعتذر عما حدث فلم ترد، قلت له إن عدم ردها هو الجزء الثاني من قصة إنقاذ الله لك من الخطأ، ربما لو ردت لجعلك الشوق تدعوها لاستكمال السهرة في منزل الزوجية.
القصة الثانية كانت تدور عن استيقاظه متأخرا في أحد الأيام ولأنه كان مرتبطا بموعد مع أحد أصدقائه فقد ارتدي ملابسه علي عجل وقرر أن يتناول إفطاره في الطريق، فتح ثلاجته فلم يجد بها سوي تفاحة أخذها وقرر أكلها في الطريق، أمام منزله وجد سايس الجراج يقوم بتنظيف سيارته بهمة ونشاط، شكر السايس وفكر أن يعطيه نقودا لكنه فكر أن النقود لن تعبر عن امتنانه بشكل كاف فنظر إلي التفاحة الموجودة في يده وفكر لمدة ثانية وقرر أن يعطيها للسايس، تلقفها السايس بفرحة حقيقية وتحرك صديقي مبتعدا وهو يراقب في المرآة السايس وهو يمسح التفاحة بقميصه ويقضم منها، علي بعد خطوات كان هناك فكهاني اعتاد صديقي أن يلقي عليه السلام ذهابا وعودة بحكم وجوده علي ناصية المنزل، في هذا اليوم فوجئ بالفكهاني يشير له أن يتوقف فتوقف فرآه يأتي مسرعا وهو يحمل حبة كبيرة من المانجو مسحها الفكهاني في جلبابه وقدمها له قائلا (جات لي شوية مانجة عسل يستاهلوا بقك خد كل دي ولو عجبتك إبقي عدي وإنت راجع خدلك اتنين كيلو)، فرح صديقي بحبة المانجو فرحة السايس بحبة التفاح وفكر أن يأكلها في الطريق لكنه قرر ومن فرط سعادته أن يحتفظ بها كدليل علي كرم الله الذي يتجلي في تفاصيل صغيرة، وصل صديقي إلي بيت صديقنا الثالث ونزل من سيارته وهو يحمل حبة المانجو في يده وعند دخوله وجد البواب جالسًا وقدمه مكسورة فألقي عليه السلام ثم ألقي له من بعيد حباية المانجو قائلا (سلامتك) تلقاها البواب الذي كان يجلس سرحانا بسعادة وابتسامة، وعندما دخل صديقي بيت صديقنا الثالث وجد والد الأخير قادما للتو من مزرعته في الإسماعيلية كان الأب قد مر بابنه حاملا له نصيبه من مانجو المزرعة في كرتونة، وبالمرة جهز لابنه عدة كراتين من المانجو ليوزعها علي أصدقائه كان من بينها كرتونة عليها اسمه.
عمر طاهر

Comment